فصل: كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير للعاجز الفقير



.كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي:

الشَّرْحُ:
(كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي):
لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْمُنَازَعَاتِ فِي الدُّيُونِ وَالْبِيَاعَاتِ وَالْمُنَازَعَاتِ مُحْتَاجَةً إلَى قَطْعِهَا أَعْقَبَهَا بِمَا هُوَ الْقَاطِعُ لَهَا وَهُوَ الْقَضَاءُ.
وَالْأَدَبُ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ وَالْقَاضِي مُحْتَاجٌ إلَيْهَا فَأَفَادَهَا، وَهُوَ أَنَّ ذِكْرَ مَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ؛ وَسُمِّيَتْ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ أَدَبًا لِأَنَّهَا تَدْعُو إلَى الْخَيْرِ، وَالْأَدَبُ فِي الْأَصْلِ مِنْ الْأَدْبِ بِسُكُونِ الدَّالِ هُوَ الْجَمْعُ وَالدُّعَاءُ، وَهُوَ أَنْ تَجْمَعَ النَّاسَ وَتَدْعُوَهُمْ إلَى طَعَامِك، يُقَالُ مِنْهُ أَدَبَ زَيْدٌ يَأْدِبُ أَدْبًا بِوَزْنِ ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا إذَا دَعَاك إلَى طَعَامِهِ فَهُوَ آدِبٌ، وَالْمَأْدُبَةُ الطَّعَامُ الْمَصْنُوعُ الْمَدْعُوُّ إلَيْهِ، وَمِنْهُ قول طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ يَمْدَحُ قَوْمَهُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ:
وَرِثُوا السُّؤْدُدَ عَنْ آبَائِهِمْ ** ثُمَّ سَادُوا سُؤْدُدًا غَيْرَ زُمَرْ

نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ** لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ

وَمِنْهُ مَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي قول ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدَبَةُ اللَّهِ، فَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَهُوَ آمِنٌ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا مَأْدَبَةُ اللَّهِ فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدَبَتِهِ، بِفَتْحِ الدَّالِ: أَيْ تَأْدِيبِهِ، وَكَانَ الْأَحْمَرُ يَجْعَلُهُمَا لُغَتَيْنِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقول هَذَا غَيْرَهُ.
وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُسْتَعْمَلُ لَمَعَانٍ كُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى الْخَتْمِ وَالْفَرَاغِ مِنْ الْأَمْرِ: يَعْنِي بِإِكْمَالِهِ.
وَفِي الشَّرْعِ يُرَادُ بِهِ الْإِلْزَامُ، وَيُقَالُ لَهُ الْحُكْمُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْعِ الظَّالِمِ عَنْ الظُّلْمِ مِنْ الْحِكْمَةِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي رَأْسِ الْفَرَسِ.
وَأَمَّا وَصْفُ الْقَضَاءِ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَوْ امْتَنَعَ الْكُلُّ أَثِمُوا هَذَا إذَا كَانَ السُّلْطَانُ لَا يَفْصِلُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَأْثَمُوا كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يُكْرِهَ مَنْ يَعْلَمُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إيصَالِ الْحُقُوقِ إلَى أَرْبَابِهَا بِإِلْزَامِ الْمَانِعِينَ مِنْهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالْقَضَاءِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تعالى: {وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} وَقَبْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاوُد بِقولهِ تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى}، «وَبَعَثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا قَاضِيًا عَلَى الْيَمَنِ وَمُعَاذًا وَقَالَ لَهُ: بِمَ تَقْضِي؟ فَقَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ، قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ، قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي فَأَقَرَّهُ» وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْقَاضِي حَتَّى يَجْتَمِعَ فِي الْمُوَلَّى شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ وَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ حُكْمَ الْقَضَاءِ يُسْتَقَى مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ يَكُونُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ وَمَا يُشْتَرَطُ لِأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ يُشْتَرَطُ لِأَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (لَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْقَاضِي حَتَّى يَجْتَمِعَ فِي الْمَوْلَى شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ وَيَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ.
وَذَكَرَ الْمَوْلَى عَلَى لَفْظِ الْمَفْعُولِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ أَلْقَى عَلَيْهِ الْفِعْلَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ لَهُ مِنْهُ كَمَا هُوَ الْأَوْلَى (أَمَّا الْأَوَّلُ) وَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ (فَلِأَنَّ حُكْمَ الْقَضَاءِ يُسْتَقَى مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ) يَعْنِي: كُلٌّ مِنْ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ يَسْتَمِدُّ مِنْ سِرٍّ وَاحِدٍ هُوَ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالْحُرِّيَّةِ وَكَوْنِهِ غَيْرَ أَعْمَى وَلَا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ، وَالْكَمَالُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَفِيفًا عَالِمًا بِالسُّنَّةِ وَبِطَرِيقِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الْقُضَاةِ.
فَرْعٌ:
قُلِّدَ عَبْدٌ فَعَتَقَ جَازَ أَنْ يَقْضِيَ بِتِلْكَ الْوِلَايَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَجْدِيدٍ، كَمَا لَوْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ حَالَ الرِّقِّ ثُمَّ عَتَقَ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقَضَاءِ.
وَذَكَرَ بَعْدَ وَرَقَةٍ: لَوْ قُلِّدَ قَضَاءُ مِصْرَ لِصَبِيٍّ فَأَدْرَكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَلَوْ قُلِّدَ كَافِرٌ الْقَضَاءَ فَأَسْلَمَ قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ عَلَى قَضَائِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَوْلِيَةٍ ثَانِيَةٍ فَصَارَ الْكَافِرُ كَالْعَبْدِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ وِلَايَةٌ وَبِهِ مَانِعٌ، وَبِالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ يَرْتَفِعُ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ أَصْلًا.
وَمَا فِي الْفُصُولِ: لَوْ قَالَ لِصَبِيٍّ أَوْ كَافِرٍ إذَا أَدْرَكْت فَصَلِّ بِالنَّاسِ أَوْ اقْضِ بَيْنَهُمْ جَازَ لَا يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ فِي الصَّبِيِّ، لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقُ الْوِلَايَةِ وَالْمُعَلَّقُ مَعْدُومٌ قَبْلَ الشَّرْطِ، وَمَا تَقَدَّمَ تَنْجِيزٌ، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ وِلَايَةُ الصَّبِيِّ قَاضِيًا لَا يَصِحُّ سُلْطَانًا، فَمَا فِي زَمَانِنَا مِنْ تَوْلِيَةِ ابْنٍ صَغِيرٍ لِلسُّلْطَانِ إذَا مَاتَ فَقَدْ سَأَلَهُ فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ وَصَرَّحَ بِعَدَمِ وِلَايَتِهِ وَقَالَ:
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاتِّفَاقُ عَلَى وَالٍ عَظِيمٍ يَصِيرُ سُلْطَانًا، وَتَقْلِيدُ الْقَضَاءِ مِنْهُ غَيْرَ أَنَّهُ يُعِدُّ نَفْسَهُ تَبَعًا لِابْنِ السُّلْطَانِ تَعْظِيمًا وَهُوَ السُّلْطَانُ فِي الْحَقِيقَةِ انْتَهَى.
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدٍ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا إنْ عَزَلَ ذَلِكَ الْوَالِي الْعَظِيمُ نَفْسَهُ مِنْ السَّلْطَنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَنْعَزِلُ إلَّا بِعَزْلِهِ نَفْسَهُ وَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ.
وَأَمَّا الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ إلَّا لِلْقَضَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالدِّمَاءِ فَتَقْضِي الْمَرْأَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِيهِمَا.

متن الهداية:
وَالْفَاسِقُ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ قُلِّدَ يَصِحُّ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلَّدَ كَمَا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ، وَلَوْ قَبِلَ جَازَ عِنْدَنَا.
الشَّرْحُ:
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَضَاءِ الْفَاسِقِ، فَأَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ وِلَايَتُهُ كَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَعَنْ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ فِي النَّوَادِرِ مِثْلُهُ، لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ: اجْتِمَاعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالِاجْتِهَادِ وَغَيْرِهِمَا مُتَعَذِّرٌ فِي عَصْرِنَا لِخُلُوِّ الْعَصْرِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ وَالْعَدْلِ، فَالْوَجْهُ تَنْفِيذُ قَضَاءِ كُلِّ مَنْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ ذُو شَوْكَةٍ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَاسِقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا، فَلَوْ قُلِّدَ الْجَاهِلُ الْفَاسِقُ صَحَّ وَيُحْكَمُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلَّدَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الرَّعِيَّةِ عَدْلٌ عَالِمٌ لَا يَحِلُّ تَوْلِيَةُ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَوْ وُلِّيَ صَحَّ عَلَى مِثَالِ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ لَا يَحِلُّ قَبُولُهَا، وَإِنْ قَبِلَ نَفَّذَ الْحُكْمَ بِهَا، وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ذَكَرَ الْأَوْلَوِيَّةَ: يَعْنِي الْأَوْلَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ قَبِلَ جَازَ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنْ لَا يَحِلُّ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا فَإِنْ قَضَى جَازَ وَنَفَذَ.

متن الهداية:
وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَدْلًا فَفَسَقَ بِأَخْذِ الرِّشْوَةِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَنْعَزِلُ وَيَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْفَاسِقُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَهُ، وَعَنْ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: إذَا قُلِّدَ الْفَاسِقُ ابْتِدَاءً يَصِحُّ، وَلَوْ قُلِّدَ وَهُوَ عَدْلٌ يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ لِأَنَّ الْمُقَلَّد اعْتَمَدَ عَدَالَتَهُ فَلَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِتَقْلِيدِهِ دُونَهَا.
الشَّرْحُ:
(وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَدْلًا) قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَوُلِّيَ (فَفَسَقَ) وَجَازَ (بِأَخْذِ الرِّشْوَةِ وَغَيْرِهَا) مِنْ أَسْبَابِ الْفِسْقِ (لَا يَنْعَزِلُ وَيَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا) الْبُخَارِيُّونَ وَالسَّمَرْقَنْدِيُّونَ وَمَعْنَى يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ عَزْلُهُ ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ.
وَقِيلَ إذَا وُلِّيَ عَدْلًا ثُمَّ فَسَقَ انْعَزَلَ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ فِي مَعْنَى الْمَشْرُوطَةِ فِي وِلَايَتِهِ، لِأَنَّهُ حِينَ وَلَّاهُ عَدْلًا اعْتَمَدَ عَدَالَتَهُ فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ مُقَيَّدَةً بِعَدَالَتِهِ فَتَزُولُ بِزَوَالِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ لَزِمَ ذَلِكَ انْعَزَلَ فَإِنَّ الْوِلَايَةَ تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ وَالتَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ كَمَا إذَا قَالَ لَهُ إذَا وَصَلْت إلَى بَلْدَةِ كَذَا فَأَنْتَ قَاضِيهَا، وَإِذَا وَصَلْت إلَى مَكَّةَ فَأَنْتَ أَمِيرُ الْمَوْسِمِ، وَالْإِضَافَةُ كَأَنْ يَقول: جَعَلْتُك قَاضِيًا فِي رَأْسِ الشَّهْرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا كَأَنْ يَقول جَعَلْتُك قَاضِيًا إلَّا فِي قَضِيَّةِ فُلَانٍ أَوْ لَا تَنْظُرُ فِي قَضِيَّةِ كَذَا، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ اخْتِيَارِ وِلَايَتِهِ لِصَلَاحِهِ تَقْيِيدُهَا بِهِ عَلَى وَجْهٍ تَزُولُ بِزَوَالِهِ فَلَا يَنْعَزِلُ.
وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ الْمُوَرِّدُ مِنْ أَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ، وَفِي الِابْتِدَاءِ يَجُوزُ وِلَايَةُ الْفَاسِقِ، فَفِي الْبَقَاءِ لَا يَنْعَزِلُ.
وَاتَّفَقُوا فِي الْإِمْرَةِ وَالسَّلْطَنَةِ عَلَى عَدَمِ الِانْعِزَالِ بِالْفِسْقِ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ.
ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ الْإِمَارَةِ وَإِضَافَتِهَا قولهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَعَثَ الْبَعْثَ إلَى مُؤْتَةَ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ «إنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ أَمِيرُكُمْ وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهَا جَمِيعُ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي.
ثُمَّ الرِّشْوَةُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهَا مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ وَالْمُعْطِي وَهُوَ الرِّشْوَةُ عَلَى تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا.
الثَّانِي ارْتِشَاءُ الْقَاضِي لِيَحْكُمَ وَهُوَ كَذَلِكَ حَرَامٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ثُمَّ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ الَّتِي ارْتَشَى فِيهَا سَوَاءٌ كَانَ بِحَقٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ.
أَمَّا فِي الْحَقِّ فَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَلَا يَحِلُّ أَخْذُ الْمَالِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا فِي الْبَاطِلِ فَأَظْهَرُ.
وَحُكِيَ فِي الْفُصُولِ فِي نَفَاذِ قَضَاءِ الْقَاضِي فِيمَا ارْتَشَى فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: لَا يَنْفُذُ فِيمَا ارْتَشَى فِيهِ، وَيَنْفُذُ فِيمَا سِوَاهُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، لَا يَنْفُذُ فِيهِمَا، يَنْفُذُ فِيهِمَا، وَهُوَ مَا ذَكَرَ الْبَزْدَوِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ لِأَنَّ حَاصِلَ أَمْرِ الرِّشْوَةِ فِيمَا إذَا قَضَى بِحَقٍّ أَجَابَهَا فِسْقُهُ وَقَدْ فُرِضَ أَنَّ الْفِسْقَ لَا يُوجِبُ الْعَزْلَ فَوِلَايَتُهُ قَائِمَةٌ وَقَضَاؤُهُ بِحَقٍّ فَلِمَ لَا يَنْفُذُ، وَخُصُوصُ هَذَا الْفِسْقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، وَغَايَةُ مَا وُجِّهَ بِهِ أَنَّهُ إذَا ارْتَشَى عَامِلٌ لِنَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ يَعْنِي وَالْقَضَاءُ عَمَلُ اللَّهِ تَعَالَى وَارْتِشَاءُ الْقَاضِي أَوْ وَلَدِهِ أَوْ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَوْ بَعْضِ أَعْوَانِهِ سَوَاءٌ إذَا كَانَ بِعِلْمِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْتَشِيَ ثُمَّ يَقْضِيَ أَوْ يَقْضِيَ ثُمَّ يَرْتَشِيَ، وَفِيهِ لَوْ أَخَذَ الرِّشْوَةَ ثُمَّ بَعَثَ إلَى شَافِعِيٍّ لِيَقْضِيَ لَا يَنْفُذُ قَضَاءُ الثَّانِي، لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَمِلَ فِي هَذَا لِنَفْسِهِ حِينَ أَخَذَ الرِّشْوَةَ وَإِنْ كَانَ كَتَبَ إلَى الثَّانِي لِيَسْمَعَ الْخُصُومَةَ وَأَخَذَ مِثْلَ أَجْرِ الْكِتَابِ صَحَّ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، وَاَلَّذِي قُلِّدَ بِوَاسِطَةِ الشُّفَعَاءِ كَاَلَّذِي قُلِّدَ احْتِسَابًا فِي أَنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ طَلَبُ الْوِلَايَةِ بِالشُّفَعَاءِ.
الثَّالِثُ: أَخَذَ الْمَالَ لِيُسَوِّيَ أَمْرَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ أَوْ جَلْبًا لِلنَّفْعِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْآخَرِ لَا الدَّافِعِ، وَحِيلَةُ حِلِّهَا لِلْآخِذِ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ أَوْ يَوْمَيْنِ فَتَصِيرَ مَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةً ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهُ فِي الذَّهَابِ إلَى السُّلْطَانِ لِلْأَمْرِ الْفُلَانِيِّ.
وَفِي الْأَقْضِيَةِ قَسَّمَ الْهَدِيَّةَ وَجَعَلَ هَذَا مِنْ أَقْسَامِهَا فَقَالَ: حَلَالٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَالْإِهْدَاءِ لِلتَّوَدُّدِ.
وَحَرَامٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَالْإِهْدَاءِ لِيُعِينَهُ عَلَى الظُّلْمِ، حَلَالٌ مِنْ جَانِبِ الْمُهْدِي حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ وَهُوَ أَنْ يُهْدِيَ لِيَكُفَّ عَنْهُ الظُّلْمُ.
وَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ إلَخْ، قَالَ: هَذَا إذَا كَانَ فِيهِ شَرْطٌ، أَمَّا إذَا كَانَ الْإِهْدَاءُ بِلَا شَرْطٍ وَلَكِنْ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ إنَّمَا يُهْدِي إلَيْهِ لِيُعِينَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَمَشَايِخُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَوْ قَضَى حَاجَتَهُ بِلَا شَرْطٍ وَلَا طَمَعٍ فَأَهْدَى إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ كَرَاهَتِهِ فَوَرَعٌ.
الرَّابِعُ مَا يُدْفَعُ لِدَفْعِ الْخَوْفِ مِنْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ حَلَالٌ لِلدَّافِعِ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ، لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْمَالِ لِيَفْعَلَ الْوَاجِبَ.

متن الهداية:
وَهَلْ يَصْلُحُ الْفَاسِقُ مُفْتِيًا؟ قِيلَ لَا لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَخَبَرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الدِّيَانَاتِ، وَقِيلَ يَصْلُحُ لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ كُلَّ الْجَهْدِ فِي إصَابَةِ الْحَقِّ حَذَارِ النِّسْبَةِ إلَى الْخَطَإِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَالصَّحِيحُ أَنَّ أَهْلِيَّةَ الِاجْتِهَادِ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ.
الشَّرْحُ:
(وَهَلْ يَصْلُحُ الْفَاسِقُ مُفْتِيًا قِيلَ لَا لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ) وَقَدْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ لِلدِّينِ (وَقِيلَ يُسْتَفْتَى لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ كُلَّ الْجَهْدِ حَذَارِ أَنْ يَنْسُبَهُ فُقَهَاءُ عَصْرِهِ إلَى الْخَطَإِ. وَأَمَّا الثَّانِي) وَهُوَ اشْتِرَاطُ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ (فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْوِلَايَةِ بَلْ لِلْأَوْلَوِيَّةِ).

متن الهداية:
فَأَمَّا تَقْلِيدُ الْجَاهِلِ فَصَحِيحٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ يَقول: إنَّ الْأَمْرَ بِالْقَضَاءِ يَسْتَدْعِي الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ وَلَا قُدْرَةَ دُونَ الْعِلْمِ.
وَلَنَا أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْضِيَ بِفَتْوَى غَيْرِهِ، وَمَقْصُودُ الْقَضَاءِ يَحْصُلُ بِهِ وَهُوَ إيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ.
الشَّرْحُ:
(فَأَمَّا تَقْلِيدُ الْجَاهِلِ فَصَحِيحٌ عِنْدَنَا) وَيُحْكَمُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَقولهُمْ رِوَايَةٌ عَنْ عُلَمَائِنَا نَصُّ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ، أَنَّ الْمُقَلَّدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ خِلَافُهُ.
قَالُوا: الْقَضَاءُ يَسْتَدْعِي الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ وَلَا قُدْرَةَ بِدُونِ الْعِلْمِ.
قُلْنَا: يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ (وَمَقْصُودُ الْقَضَاءِ وَهُوَ إيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ) وَرَفْعُ الظُّلْمِ (وَيَحْصُلُ بِهِ) فَاشْتِرَاطُهُ ضَائِعٌ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ لَيْسَ مَا يَقْطَعُ بِصَوَابِهِ بَلْ مَا يَظُنُّهُ الْمُجْتَهِدُ، فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَإِذَا قَضَى بِقَبُولِ مُجْتَهِدٍ فِيهِ فَقَدْ قَضَى بِذَلِكَ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَكَوْنُ مُعَاذٍ قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي لَا يَلْزَمُهُ اشْتِرَاطُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ مُعَاذٌ الْإِجْمَاعَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَيْضًا عَنْ الْغَزَالِيِّ تَوْجِيهَ خِلَافَهُ فَيُقَلَّدُ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
فِي بَعْضِ نُسَخِ الْهِدَايَةِ: الِاسْتِدْلَال عَلَى تَقْلِيدِ الْمُقَلِّدِ بِتَقْلِيدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا الْيَمَنَ وَلَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَعَا لَهُ بِأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ قَلْبَهُ وَيُثَبِّتَ لِسَانَهُ.
فَإِنْ كَانَ بِهَذَا الدُّعَاءِ رُزِقَ أَهْلِيَّةَ الِاجْتِهَادِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِلَّا فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ الْعِلْمُ وَالسَّدَادُ، وَهَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ فِي غَيْرِهِ، وَسَنَذْكُرُ سَنَدَ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقَاضِي ذُكِرَ فِي الْمُفْتِي فَلَا يُفْتِي إلَّا الْمُجْتَهِدُ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ رَأْيُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ مِمَّنْ يَحْفَظُ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَ بِمُفْتٍ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذَا سُئِلَ أَنْ يَذْكُرَ قول الْمُجْتَهِدِ كَأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ، فَعُرِفَ أَنَّ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا مِنْ فَتْوَى الْمَوْجُودِينَ لَيْسَ بِفَتْوَى، بَلْ هُوَ نَقْلُ كَلَامِ الْمُفْتِي لِيَأْخُذَ بِهِ الْمُسْتَفْتِي، وَطَرِيقُ نَقْلِهِ كَذَلِكَ عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ سَنَدٌ إلَيْهِ أَوْ يَأْخُذَهُ مِنْ كِتَابٍ مَعْرُوفٍ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي، نَحْوُ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَنَحْوُهَا مِنْ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ لِلْمُجْتَهِدِينَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُمْ أَوْ الْمَشْهُورِ، وَشَهِدَ هَكَذَا ذِكْرُ الرَّازِيّ فَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَدْنَا بَعْضَ نُسَخِ النَّوَادِرِ فِي زَمَانِنَا لَا يَحِلُّ عُزُوُّ مَا فِيهَا إلَى مُحَمَّدٍ وَلَا إلَى أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْتَهَرْ فِي عَصْرِنَا فِي دِيَارِنَا وَلَمْ تُتَدَاوَلْ.
نَعَمْ إذَا وُجِدَ النَّقْلُ عَنْ النَّوَادِرِ مَثَلًا فِي كِتَابٍ مَشْهُورٍ مَعْرُوفٍ كَالْهِدَايَةِ وَالْمَبْسُوطِ كَانَ ذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابِ، فَلَوْ كَانَ حَافِظًا لِلْأَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفَةِ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَلَا يَعْرِفُ الْحُجَّةَ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ لِلتَّرْجِيحِ لَا يَقْطَعُ بِقول مِنْهَا يُفْتِي بِهِ، بَلْ يَحْكِيهَا لِلْمُسْتَفْتِي فَيَخْتَارُ الْمُسْتَفْتِي مَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ الْأَصْوَبُ ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْجَوَامِعِ.
وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِكَايَةُ كُلِّهَا بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَحْكِيَ قولا مِنْهَا فَإِنَّ الْمُقَلِّدَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ أَيَّ مُجْتَهِدٍ شَاءَ، فَإِذَا ذَكَرَ أَحَدَهَا فَقَلَّدَهُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، نَعَمْ لَا يَقْطَعُ عَلَيْهِ فَيَقول جَوَابُ مَسْأَلَتِك كَذَا بَلْ يَقول قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ حُكْمُ هَذَا كَذَا، نَعَمْ لَوْ حَكَى الْكُلَّ فَالْأَخْذُ بِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ الْأَصْوَبُ أَوْلَى.
وَالْعَامِّيُّ لَا عِبْرَةَ بِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ مِنْ صَوَابِ الْحُكْمِ وَخَطَئِهِ، وَعَلَى هَذَا إذَا اسْتَفْتَى فَقِيهَيْنِ: أَعْنِي مُجْتَهِدَيْنِ فَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ الْأَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ قَلْبُهُ مِنْهُمَا.
وَعِنْدِي أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِقول الَّذِي لَا يَمِيلُ إلَيْهِ قَلْبُهُ جَازَ لِأَنَّ مَيْلَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ وَقَدْ فَعَلَ أَصَابَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ أَوْ أَخْطَأَ.
وَقَالُوا الْمُنْتَقِلُ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ آخَرَ بِاجْتِهَادٍ وَبُرْهَانٍ آثِمٌ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ فَبِلَا اجْتِهَادٍ وَبُرْهَانٍ أَوْلَى، وَلَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ بِهَذَا الِاجْتِهَادِ مَعْنَى التَّحَرِّي وَتَحْكِيمِ الْقَلْبِ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَيْسَ لَهُ اجْتِهَادٌ.
ثُمَّ حَقِيقَةُ الِانْتِقَالِ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي حُكْمِ مَسْأَلَةٍ خَاصَّةٍ قَلَّدَ فِيهِ وَعَمِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَقولهُ قَلَّدْت أَبَا حَنِيفَةَ فِيمَا أَفْتَى مِنْ الْمَسَائِلِ مَثَلًا وَالْتَزَمْت الْعَمَلَ بِهِ عَلَى الْإِجْمَالِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ صُوَرَهَا لَيْسَ حَقِيقَةَ التَّقْلِيدِ بَلْ هَذَا حَقِيقَةُ تَعْلِيقِ التَّقْلِيدِ أَوْ وَعَدَ بِهِ، لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يَعْمَلَ بِقول أَبِي حَنِيفَةَ، فِيمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَيَّنُ فِي الْوَقَائِعِ، فَإِنْ أَرَادُوا هَذَا الِالْتِزَامَ فَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْمُجْتَهِدِ الْمُعَيَّنِ بِإِلْزَامِهِ نَفْسَهُ ذَلِكَ قولا أَوْ نِيَّةً شَرْعًا، بَلْ الدَّلِيلُ اقْتَضَى الْعَمَلَ بِقول الْمُجْتَهِدِ فِيمَا احْتَاجَ إلَيْهِ لِقولهِ تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وَالسُّؤَالُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ طَلَبِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَحِينَئِذٍ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قول الْمُجْتَهِدِ وَجَبَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ بِهِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ إلْزَامَاتٌ مِنْهُمْ لِكَفِّ النَّاسِ عَنْ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ وَإِلَّا أَخَذَ الْعَامِّيُّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِقول مُجْتَهِدٍ قولهُ أَخَفُّ عَلَيْهِ.
وَأَنَا لَا أَدْرِي مَا يَمْنَعُ هَذَا مِنْ النَّقْلِ أَوْ الْعَقْلِ وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ يَتَّبِعُ مَا هُوَ أَخَفُّ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قول مُجْتَهِدٍ مُسَوَّغٌ لَهُ الِاجْتِهَادُ مَا عَلِمْت مِنْ الشَّرْعِ ذَمَّهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مَا خَفَّفَ عَنْ أُمَّتِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

متن الهداية:
وَيَنْبَغِي لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ هُوَ الْأَقْدَرُ وَالْأَوْلَى لِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «مَنْ قَلَّدَ إنْسَانًا عَمَلًا وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ».
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَيَنْبَغِي لِلْمُقَلِّدِ) وَهُوَ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْلِيدِ (أَنْ يَخْتَارَ مَنْ هُوَ أَقْدَرُ وَأَوْلَى) لِدِيَانَتِهِ وَعِفَّتِهِ وَقُوَّتِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَيَرْزُقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَلَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا مُثْرِيًا وَإِنْ احْتَسَبَ فَهُوَ أَفْضَلُ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ لِقولهِ تَعَالَى فِي مَالِ الْيَتِيمِ إذَا عَمِلَ فِيهِ الْوَصِيُّ {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْزُقُ سُلَيْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ عَلَى الْقَضَاءِ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ كِفَايَتُهُ وَعِيَالُهُ عَلَيْهِمْ.
قَالُوا: وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرْزُقُ شُرَيْحًا كُلَّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَرَزَقَهُ عَلِيٌّ خَمْسِمِائَةٍ وَذَلِكَ لِقِلَّةِ عِيَالِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَوْ رُخْصِ السِّعْرِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ غَلَاءِ السِّعْرِ، فَرِزْقُ الْقَاضِي لَا يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَجْرٍ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ عَلَى الْقَضَاءِ.
وَإِنَّمَا يَخْتَارُ الْأَوْلَى لِقولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَنْ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ» وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَتَعَقَّبَ بِحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَضَعَّفَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَقَالَ: إنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ كَلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ حُسَيْنٍ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَنْ تَوَلَّى مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ وَأَعْلَمُ مِنْهُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ» وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «أَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى عَشَرَةِ أَنْفُسٍ وَعَلِمَ أَنَّ فِي الْعَشَرَةِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَقَدْ غَشَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ» وَاَلَّذِي لَهُ وِلَايَةُ التَّقْلِيدِ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ الَّذِي نَصَّبَهُ الْخَلِيفَةُ وَأَطْلَقَ لَهُ التَّصَرُّفَ، وَكَذَا الَّذِي وَلَّاهُ السُّلْطَانُ نَاحِيَةً وَجَعَلَ لَهُ خَرَاجَهَا وَأَطْلَقَ لَهُ التَّصَرُّفَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ وَيَعْزِلَ، كَذَا قَالُوا.
وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ لَا يُصَرِّحَ لَهُ بِالْمَنْعِ أَوْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِعُرْفِهِمْ فَإِنَّ نَائِبَ الشَّامِ وَحَلَبَ فِي دِيَارِنَا يُطْلِقُ لَهُمْ التَّصَرُّفَ فِي الرَّعِيَّةِ وَالْخَرَاجِ وَلَا يُوَلُّونَ الْقُضَاةَ وَلَا يَعْزِلُونَ، وَلَوْ وُلِّيَ فَحُكْمُ الْمُوَلَّى ثُمَّ جَاءَ بِكِتَابٍ لِلسُّلْطَانِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إمْضَاءً لِلْقَضَاءِ، وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطٌ فِي السُّلْطَانِ وَفِي التَّقْلِيدِ بِالْأَصَالَةِ لَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ إذَا أَمَّرَ عَبْدَهُ عَلَى نَاحِيَةٍ وَأَمَّرَهُ أَنْ يُنَصِّبَ الْقَاضِيَ جَازَ، فَإِنْ نَصَّبَهُ كَنَصْبِ السُّلْطَانِ بِنَفْسِهِ.

متن الهداية:
وَفِي حَدِّ الِاجْتِهَادِ كَلَامٌ عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ حَدِيثٍ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ لِيَعْرِفَ مَعَانِيَ الْآثَارِ أَوْ صَاحِبَ فِقْهٍ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْحَدِيثِ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالْقِيَاسِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَقِيلَ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ صَاحِبَ قَرِيحَةٍ يَعْرِفُ بِهَا عَادَاتِ النَّاسِ لِأَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهَا.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَفِي حَدِّ الِاجْتِهَادِ كَلَامٌ عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَحَاصِلَهُ) الْكَلَامِ (أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ حَدِيثٍ لَهُ مَعْرِفَةٌ فِي الْفِقْهِ لِيَعْرِفَ مَعَانِيَ الْآثَارِ أَوْ صَاحِبَ فِقْهٍ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْحَدِيثِ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالْقِيَاسِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقوليْنِ أَنَّ عَلَى الْأَوَّلِ نِسْبَتُهُ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِالْفِقْهِ، وَفِي الثَّانِي عَكْسُهُ.
ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ رَتَّبَ عَلَى الْأَوَّلِ كَوْنَهُ حِينَئِذٍ يَعْرِفُ مَعَانِيَ الْآثَارِ، وَالْمُرَادُ بِمَعَانِي الْآثَارِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ مُنَاطَاةُ الْأَحْكَامِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ، وَعَلَى الثَّانِي سَلَامَتُهُ مِنْ الْقِيَاسِ مَعَ مُعَارَضَةِ النَّصِّ وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمَا قولانِ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا مُتَضَادَّانِ لِأَنَّ كَوْنَهُ أَدْرَى بِالْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ يُضَادُّ كَوْنَهُ أَدْرَى بِالْفِقْهِ مِنْ الْحَدِيثِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَحْتَاجُ إلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ تَحَرُّزُهُ مِنْ الْقِيَاسِ فِي مُعَارَضَةِ النَّصِّ وَمَعْرِفَةِ مَعَانِي الْآثَارِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقِيَاسِ.
فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: صَاحِبَ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ. لِيَعْرِفَ مَعَانِيَ الْآثَارِ، وَيَمْتَنِعَ عَنْ الْقِيَاسِ، بِخِلَافِ النَّصِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنْ يَعْلَمَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِأَقْسَامِهِمَا مِنْ عِبَارَتِهِمَا وَإِشَارَتِهِمَا وَدَلَالَتِهِمَا وَاقْتِضَائِهِمَا وَبَاقِي الْأَقْسَامِ نَاسِخِهِمَا وَمَنْسُوخِهِمَا وَمُنَاطَاةِ أَحْكَامِهِمَا وَشُرُوطِ الْقِيَاسِ وَالْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْقِيَاسِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِجْمَاعِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَدِّمُهُ عَلَى الْقِيَاسِ فَلَا يَقِيسُ فِي مُعَارَضَةِ قول الصَّحَابِيِّ وَيَعْلَمُ عُرْفَ النَّاسِ وَهَذَا قولهُ (وَقِيلَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ قَرِيحَةٍ إلَخْ) فَهَذَا الْقِيلُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْمُجْتَهِدِ، فَمَنْ أَتْقَنَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فَهُوَ أَهْلٌ لِلِاجْتِهَادِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِاجْتِهَادِهِ وَهُوَ أَنْ يَبْذُلَ جَهْدَهُ فِي طَلَبِ الظَّنِّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا.

متن الهداية:
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ فِي الْقَضَاءِ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضَهُ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَقَلَّدُوهُ وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةٌ، وَلِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِكَوْنِهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ فِي الْقَضَاءِ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضَهُ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تَقَلَّدُوا وَلِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِكَوْنِهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ) أَمَّا إنَّ الصَّحَابَةَ تَقَلَّدُوا فَحَدِيثُ مُعَاذٍ مَعْرُوفٌ.
وَكَذَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَلِيٍّ قَال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَك وَيُثَبِّتُ لِسَانَك، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْك الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْت مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ حَرِيٌّ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَك الْقَضَاءُ، قَالَ: فَمَا زِلْت قَاضِيًا أَوْ مَا شَكَكْت فِي قَضَاءٍ بَعْدُ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَالطَّيَالِسِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِيه: «فَضَرَبَ صَدْرِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَهْدِ قَلْبَهُ وَثَبِّتْ لِسَانَهُ، قَالَ: فَمَا شَكَكْت» الْحَدِيثَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: «بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: عَلِّمْهُمْ الشَّرَائِعَ وَاقْضِ بَيْنَهُمْ» الْحَدِيثَ، وَصَحَّحَهُ ثُمَّ قَلَّدَ عَلِيٌّ شُرَيْحًا الْإِمَامَ.
وَأَمَّا إنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَقَدْ قَدَّمْنَاهُ، غَيْرَ أَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الدُّخُولُ فِيهِ مُسْتَحَبًّا؛ وَعِبَارَةُ لَا بَأْسَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمُبَاحِ وَمَا تَرْكُهُ أَوْلَى.
وَحَاصِلُ مَا هُنَا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ الْحَيْفَ: أَيْ الْجَوْرَ أَوْ عَدَمَ إقَامَةِ الْعَدْلِ كُرِهَ لَهُ الدُّخُولُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِأَنَّ الْغَالِبَ الْوُقُوعُ فِي مَحْظُورِهِ حِينَئِذٍ وَإِنْ أُمِنَ أُبِيحَ رُخْصَةً، وَالتَّرْكُ هُوَ الْعَزِيمَةُ لِأَنَّهُ وَإِنْ أُمِنَ فَالْغَالِبُ هُوَ خَطَأُ ظَنِّ مَنْ ظَنَّ مِنْ نَفْسِهِ الِاعْتِدَالَ فَيَظْهَرُ مِنْهُ خِلَافُهُ فَيُؤَخِّرُهُ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ.
هَذَا إذَا لَمْ تَنْحَصِرْ الْأَهْلِيَّةُ فِيهِ، وَإِنْ انْحَصَرَتْ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ وَعَلَيْهِ ضَبْطُ نَفْسِهِ، إلَّا إنْ كَانَ السُّلْطَانُ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يَفْصِلَ الْخُصُومَاتِ وَيَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَنْ جُعِلَ عَلَى الْقَضَاءِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ اُسْتُقْضِيَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْقُضَاةِ اسْتَخَفَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ دَعَا مَنْ يُسَوِّي لَهُ لِحْيَتَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ يَحْلِقُ لَهُ تَحْتَ لِحْيَتِهِ فِي حُلْقُومِهِ إذَا عَطَسَ الْقَاضِي فَأَلْقَى الْمُوسَى رَأْسَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ الْقَضَاءِ آثَارٌ.
وَقَدْ اجْتَنَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَبَرَ عَلَى الضَّرْبِ وَالسَّجْنِ حَتَّى مَاتَ فِي السِّجْنِ وَقَالَ: الْبَحْرُ عَمِيقٌ فَكَيْفَ أَعْبُرُ بِالسِّبَاحَةِ؟ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْبَحْرُ عَمِيقٌ وَالسَّفِينَةُ وَثِيقٌ وَالْمَلَّاحُ عَالِمٌ.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كَأَنَّ بِك قَاضِيًا.
وَقول أَبِي حَنِيفَةَ كَقول أَبِي قِلَابَةَ: مَا وَجَدْت الْقَاضِيَ إلَّا كَسَابِحٍ فِي بَحْرٍ فَكَمْ يَسْبَحُ حَتَّى يَغْرَقَ.
وَكَانَ دُعِيَ لِلْقَضَاءِ فَهَرَبَ حَتَّى أَتَى الشَّامَ فَوَافَقَ مَوْتَ قَاضِيهَا، فَهَرَبَ حَتَّى أَتَى الْيَمَامَةَ.
وَاجْتَنَبَهُ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ.
وَقُيِّدَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا لِيَتَقَلَّدَهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم: «عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ يَا أَبَا ذَرٍّ إنِّي أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ الْيَتِيمِ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَلَمْ يَقْضِ وَجَارٍ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقول: «يُدْعَى بِالْقَاضِي الْعَادِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عُمُرِهِ» وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَنْ وَلِيَ عَشَرَةً فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَحَبُّوا أَوْ كَرِهُوا جِيءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَمْ يَرْتَشِ فِي حُكْمِهِ وَلَمْ يَحِفْ فَكَّ اللَّهُ عَنْهُ غُلَّهُ، وَإِنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَارْتَشَى فِي حُكْمِهِ وَحَافَ فِيهِ شُدَّتْ يَسَارُهُ إلَى يَمِينِهِ ثُمَّ رُمِيَ بِهِ فِي جَهَنَّمَ» وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ مَكْحُولٍ: لَوْ خُيِّرْت بَيْنَ ضَرْبِ عُنُقِي وَبَيْنَ الْقَضَاءِ لَاخْتَرْت ضَرْبَ عُنُقِي.
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ قَالَ: اُسْتُعْمِلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى الْقَضَاءِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ يُهَنُّونَهُ بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: أَتُهَنُّونَنِي بِالْقَضَاءِ وَقَدْ جُعِلْت عَلَى رَأْسٍ مَهْوَاةٍ مَنْزِلَتُهَا أَبْعَدُ مِنْ عَدَنَ وَأَبْيَنَ.
وَأَمَّا مَا فِي الْبُخَارِيِّ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلٌ» فَلَا يُنَافِي مَجِيئُهُ أَوَّلًا مَغْلُولَةً يَدُهُ إلَى عُنُقِهِ إلَى أَنْ يَفُكَّهَا عَدْلُهُ فَيُظِلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ فَلَا يُعَارَضُ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ فِيهِ لِمَنْ يَخَافُ الْعَجْزَ عَنْهُ وَلَا بَأْسَ عَلَى نَفْسِهِ الْحَيْفُ فِيهِ) كَيْ لَا يَصِيرَ شَرْطًا لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَبِيحَ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الدُّخُولَ فِيهِ مُخْتَارًا لِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «مَنْ جُعِلَ عَلَى الْقَضَاءِ فَكَأَنَّمَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» وَالصَّحِيحُ أَنَّ الدُّخُولَ فِيهِ رُخْصَةٌ طَمَعًا فِي إقَامَةِ الْعَدْلِ وَالتَّرْكُ عَزِيمَةٌ فَلَعَلَّهُ يُخْطِئُ ظَنُّهُ وَلَا يُوَفَّقُ لَهُ أَوْ لَا يُعِينُهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَانَةِ إلَّا إذَا كَانَ هُوَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ دُونَ غَيْرِهِ فَحِينَئِذٍ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ التَّقَلُّدُ صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَإِخْلَاءً لِلْعَالَمِ عَنْ الْفَسَادِ.
قَالَ: (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْلُبَ الْوِلَايَةَ وَلَا يَسْأَلَهَا) لِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ نَزَلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» وَلِأَنَّ مَنْ طَلَبَهُ يَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَحْرُمُ، وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ عَلَى رَبِّهِ فَيُلْهَمُ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْلُبَ الْوِلَايَةَ وَلَا يَسْأَلَهَا لِقولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ» إلَخْ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ نُزِّلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ» وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعا: «مَنْ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ إسْرَائِيلَ يُرِيدُ سَنَدَ الْأَوَّلِ، وَأَصَحُّ مِنْ الْكُلِّ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سُمْرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْت إلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْت عَلَيْهَا» وَإِذَا كَانَ طَلَبُ الْوِلَايَةِ أَنْ يُوكِلَ إلَى نَفْسِهِ وَجَبَ أَنْ لَا يَحِلَّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَعْلُومٌ وُقُوعُ الْفَسَادِ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَحْذُورٌ.

متن الهداية:
(ثُمَّ يَجُوزُ التَّقَلُّدُ مِنْ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ كَمَا يَجُوزُ مِنْ الْعَادِلِ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَقَلَّدُوهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْحَقُّ كَانَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي نَوْبَتِهِ، وَالتَّابِعِينَ تَقَلَّدُوهُ مِنْ الْحَجَّاجِ وَكَانَ جَائِرًا إلَّا إذَا كَانَ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ الْقَضَاءِ بِحَقٍّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِالتَّقَلُّدِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ.
الشَّرْحُ:
قولهُ (وَيَجُوزُ التَّقَلُّدُ مِنْ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ كَمَا يَجُوزُ مِنْ الْعَادِلِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَقَلَّدُوهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْحَقُّ كَانَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي نَوْبَتِهِ، وَالتَّابِعِينَ تَقَلَّدُوا مِنْ الْحَجَّاجِ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِجَوْرِ مُعَاوِيَةَ، وَالْمُرَادُ فِي خُرُوجِهِ لَا فِي أَقْضِيَتِهِ، ثُمَّ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ وَلِيَ الْقَضَاءَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْحَسَنِ لَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ تَسْلِيمِهِ فَلَا، وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْعَامُ عَامَ الْجَمَاعَةِ، وَاسْتَقْضَى مُعَاوِيَةُ أَبَا الدَّرْدَاءِ بِالشَّامِ وَبِهَا مَاتَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَشَارَهُ فِيمَنْ يُوَلَّى بَعْدَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ فَوَلَّاهُ الشَّامَ بَعْدَهُ.
وَقولهُ فِي نَوْبَتِهِ: نَوْبَةُ عَلِيٍّ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هِيَ كَوْنُهُ رَابِعًا بَعْدَ عُثْمَانَ، وَقَيَّدَ بِنَوْبَتِهِ احْتِرَازًا عَنْ قول الرَّوَافِضِ إنَّهُ كَانَ أَحَقَّ بِهَا فِي سَائِرِ النُّوَبِ حَتَّى مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ فِي تِلْكَ النَّوْبَةِ لِصِحَّةِ بَيْعَتِهِ وَانْعِقَادِهَا فَكَانَ عَلَى الْحَقِّ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْجَمَلِ وَقِتَالِ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ.
وَقولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعَمَّارٍ «سَتَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» وَقَدْ قَتَلَهُ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُمْ بُغَاةٌ، وَلَقَدْ أَظْهَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا النَّدَمَ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ قَالَ: قَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِابْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا مَنَعَك أَنْ تَنْهَانِي عَنْ مَسِيرِي؟ قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا غَلَبَ عَلَيْك: يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ نَهَيْتنِي مَا خَرَجْت.
وَأَمَّا الْحَجَّاجُ فَحَالُهُ مَعْرُوفٌ فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ فَعَزَلَهُ الْحَجَّاجُ وَجَعَلَ أَخَاهُ مَكَانَهُ.
وَأَسْنَدَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ ضَمْرَةَ قَالَ: اسْتَقْضَى الْحَجَّاجُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى وَأَجْلَسَ مَعَهُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، ثُمَّ قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَاتَ الْحَجَّاجُ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَفِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ لِلْحَافِظِ أَبِي نُعَيْمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْأُمَوِيِّ: وَلِيَ الْقَضَاءَ بِأَصْبَهَانَ لِلْحَجَّاجِ ثُمَّ عَزَلَهُ الْحَجَّاجُ وَأَقَامَ مَحْبُوسًا بِوَاسِطَ، فَلَمَّا هَلَكَ الْحَجَّاجُ رَجَعَ إلَى أَصْبَهَانَ وَتُوُفِّيَ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ: طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ طَلْحَةُ النَّدَى ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تَقَلَّدَ الْقَضَاءَ مِنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ يَرْوِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَقولهُ (إلَّا إذَا كَانَ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ الْقَضَاءِ بِحَقٍّ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قولهِ يَجُوزُ التَّقَلُّدُ مِنْ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ مِنْ التَّقَلُّدِ) حِينَئِذٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
هَذَا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ سُلْطَانٌ وَلَا مَنْ يَجُوزُ التَّقَلُّدُ مِنْهُ كَمَا هُوَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الْكُفَّارُ كَقُرْطُبَةَ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ الْآنَ وَبَلَنْسِيَةَ وَبِلَادِ الْحَبَشَةِ وَأَقَرُّوا الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُمْ عَلَى مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجْعَلُونَهُ وَالِيًا فَيُوَلَّى قَاضِيًا أَوْ يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهُمْ وَكَذَا يُنَصِّبُوا لَهُمْ إمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ.
فُرُوعٌ فِي الْعَزْلِ:
لِلسُّلْطَانِ عَزْلُ الْقَاضِي بِرِيبَةٍ وَبِلَا رِيبَةٍ، وَلَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَبْلُغَهُ الْعَزْلُ وَيَنْعَزِلُ نَائِبُهُ بِعَزْلِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْقَاضِي يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ النَّائِبَ لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْقَاضِي لِأَنَّهُ نَائِبٌ لِلسُّلْطَانِ، وَيَنْعَزِلُ الْقَاضِي بِعَزْلِهِ نَفْسِهِ إذَا بَلَّغَ السُّلْطَانَ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْهُ لَا يَنْعَزِلُ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسِهِ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يُبَلِّغَ الْمُوَكِّلَ.
وَقِيلَ لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي بِعَزْلِ نَفْسِهِ لِأَنَّ قَضَاءَهُ صَارَ حَقًّا لِلْعَامَّةِ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ السُّلْطَانِ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضٍ آخَرُ صِيَانَةً لِحُقُوقِ النَّاسِ، وَمِثْلُهُ وَصِيُّ الْقَاضِي إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ يَشْتَرِطُ عِلْمَ الْقَاضِي، وَيَجُوزُ تَعْلِيقَ الْعَزْلِ بِالشَّرْطِ.
وَمِنْ صُوَرِهِ: إذَا كَتَبَ الْخَلِيفَةُ إلَيْهِ إذَا وَصَلَك كِتَابِي هَذَا فَأَنْتَ مَعْزُولٌ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهِ الْكِتَابُ.
وَلَمْ يُجِزْ ظَهِيرُ الدِّينِ تَعْلِيقَ الْعَزْلِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَيَنْعَزِلُ خُلَفَاءُ الْقَاضِي بِمَوْتِهِ وَلَا يَنْعَزِلُ أُمَرَاءُ الْخَلِيفَةِ، وَلَوْ قُلِّدَ رَجُلٌ قَضَاءَ بَلْدَةِ قَاضٍ هَلْ يَنْعَزِلُ؟ الْأَوَّلُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَنْعَزِلُ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ.
وَلَوْ شَرَطَ فِي الْقَضَاءِ شَرْطًا مِثْلُ أَنْ لَا يَمْتَثِلَ أَمْرَ أَحَدٍ فَخَالَفَ انْعَزَلَ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُتْرَكُ الْقَاضِي عَلَى الْقَضَاءِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ ثُمَّ يَعْزِلُهُ وَيَقول أَشْغَلْنَاك اذْهَبْ فَاشْتَغِلْ بِالْعِلْمِ ثُمَّ ائْتِنَا.

متن الهداية:
قَالَ: (وَمَنْ قُلِّدَ الْقَضَاءَ يُسَلَّمُ إلَيْهِ دِيوَانُ الْقَاضِي الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ) وَهُوَ الْخَرَائِطُ الَّتِي فِيهَا السِّجِلَّاتُ وَغَيْرُهَا، لِأَنَّهَا وُضِعَتْ فِيهَا لِتَكُونَ حُجَّةً عِنْدَ الْحَاجَةِ فَتُجْعَلُ فِي يَدِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَيَاضُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إذَا كَانَ مِنْ مَالِ الْخُصُومِ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُمْ وَضَعُوهَا فِي يَدِهِ لِعَمَلِهِ وَقَدْ انْتَقَلَ إلَى الْمُوَلَّى، وَكَذَا إذَا كَانَ مِنْ مَالِ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ اتَّخَذَهُ تَدَيُّنًا لَا تَمَوُّلًا، وَيَبْعَثُ أَمِينَيْنِ لِيَقْبِضَاهَا بِحَضْرَةِ الْمَعْزُولِ أَوْ أَمِينِهِ وَيَسْأَلَانِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَجْعَلَانِ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا فِي خَرِيطَةٍ كَيْ لَا يَشْتَبِهَ عَلَى الْمُوَلَّى، وَهَذَا السُّؤَالُ لِكَشْفِ الْحَالِ لَا لِلْإِلْزَامِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ قُلِّدَ الْقَضَاءَ يَسْأَلُ) أَيْ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ.
هَذَا وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ: أَيْ يَطْلُبُ مِنْ الْقَاضِي الْمُنْعَزِلِ دِيوَانَهُ ثُمَّ فَسَّرَ دِيوَانَهُ بِأَنَّهُ (الْخَرَائِطُ الَّتِي فِيهَا السِّجِلَّاتُ وَغَيْرُهَا) مِنْ كُتُبِ الْأَوْقَافِ وَكُتُبِ نَصْبِ الْأَوْصِيَاءِ وَالْمُحَاضِرِ وَالصُّكُوكِ وَتَقْدِيرِ النَّفَقَاتِ لِلْأَيْتَامِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا اقْتَضَاهُ الْحَالُ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُهُ (لِأَنَّهَا) إنَّمَا (وُضِعَتْ) عِنْدَ الْقَاضِي (لِتَكُونَ حُجَّةً) وَوَثِيقَةً مَحْفُوظَةً (عِنْدَ) الْقَاضِي إذَا وَقَعَتْ (الْحَاجَةُ) إلَى الْحُجَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْأَحْوَالِ (فَتُجْعَلُ عِنْدَ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ النَّظَرِ) فِي أُمُورِهِمْ وَمَا كَانَتْ عِنْدَ الْأَوَّلِ إلَّا لِأَنَّهُ كَذَلِكَ (ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَيَاضُ) الَّذِي كَتَبَ فِيهِ الْقَاضِي وَرَقًا أَوْ رِقًّا (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إذَا كَانَ مِنْ مَالِ أَرْبَابِ الْقَضَايَا فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ) لِأَنَّهُ لِلْقَاضِي لَا لِأَنَّهُ مِلْكُ الذَّاتِ (وَقَدْ انْتَقَلَ) الْقَضَاءُ (إلَى) الْقَاضِي (الْمُوَلَّى وَإِنْ كَانَ مِلْكَ الْقَاضِي فَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ اتَّخَذَهُ تَدَيُّنًا) لِيَحْفَظَ بِهِ أُمُورَ النَّاسِ وَحَاجَاتِهِمْ (لَا تَمَوُّلًا، وَيَبْعَثُ) الْمُوَلَّى (اثْنَيْنِ) أَوْ وَاحِدًا مَأْمُونًا (لِيَقْبِضَاهَا بِحَضْرَةِ الْمَعْزُولِ أَوْ) مِنْ (أَمِينِهِ وَيَسْأَلَانِ) أَعْنِي الْأَمِينَيْنِ (الْمَعْزُولَ شَيْئًا فَشَيْئًا وَيَجْعَلَانِ كُلَّ نَوْعٍ فِي خَرِيطَةٍ) مَثَلًا الصُّكُوكُ فِي خَرِيطَةٍ وَالنَّفَقَاتُ فِي خَرِيطَةٍ وَكُتُبُ الْأَوْقَافِ فِي خَرِيطَةٍ لِيَكُونَ أَسْهَلَ لِلتَّنَاوُلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَلَطَ الْكُلَّ فَإِنَّ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ حِينَئِذٍ عُسْرًا شَدِيدًا، وَفِي عُرْفِ دِيَارِنَا لَيْسَ عِنْدَ الْقَاضِي صُكُوكُ النَّاسِ وَلَا كُتُبُ أَوْقَافِهِمْ، بَلْ إذَا كَانَ الْقَاضِي هُوَ نَاظِرُ الْوَقْفِ (وَهَذَا السُّؤَالُ لِكَشْفِ الْحَالِ) لَا لِيَلْزَمَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْجَوَابِ مِنْ الْقَاضِي فَإِنَّهُ الْتَحَقَ بِسَائِرِ الرَّعَايَا بِالْعَزْلِ، ثُمَّ إذَا قَبَضَاهُ خَتْمًا عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ طُرُوُّ التَّغْيِيرِ.
وَأَمَّا مَا قِيلَ يَكْتُبَانِ عَدَدَ ضِيَاعِ الْوُقُوفِ وَمَوَاضِعَهَا فَلَيْسَ إلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ، فَإِنَّ كُتُبَ الْأَوْقَافِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى عَدَدِ الضِّيَاعِ الْمَوْقُوفَةِ وَالدُّورَ وَالْحَوَانِيتُ مَحْدُودَةٌ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَيَنْظُرُ فِي حَالِ الْمَحْبُوسِينَ) لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا (فَمَنْ اعْتَرَفَ بِحَقٍّ أَلْزَمَهُ إيَّاهُ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُلْزِمٌ (وَمَنْ أَنْكَرَ لَمْ يَقْبَلْ قول الْمَعْزُولِ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ بِالْعَزْلِ الْتَحَقَ بِالرَّعَايَا، وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ (فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لَمْ يُعَجِّلْ بِتَخْلِيَتِهِ حَتَّى يُنَادَى عَلَيْهِ وَيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ) لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ حَقٌّ ظَاهِرًا فَلَا يُعَجِّلُ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَيَنْظُرُ فِي حَالِ الْمَحْبُوسِينَ) فَيَبْعَثُ إلَى السِّجْنِ مَنْ يُحْصِيهِمْ وَيَأْتِيهِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ وَيَسْأَلُ الْمَحْبُوسَ عَنْ سَبَبِ حَبْسِهِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نَاظِرٌ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ مُسْلِمُونَ مَحْبُوسُونَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ سَبَبٌ يُوجِبُ حَبْسَهُمْ، وَثُبُوتُهُ عِنْدَ الْأَوَّلِ لَيْسَ حُجَّةً يَعْتَمِدُهَا الثَّانِي فِي حَبْسِ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ قول الْأَوَّلِ لَمْ يَبْقَ حُجَّةً (فَمَنْ اعْتَرَفَ بِحَقٍّ أَلْزَمَهُ إيَّاهُ) وَرَدَّهُ إلَى السِّجْنِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ السِّجْنِ عِنْدَهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مَالٌ، وَكَذَا مَنْ أَنْكَرَ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ وَالْقَاضِي يَعْرِفُ هَؤُلَاءِ الشُّهُودَ بِالْعَدَالَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُمْ أَخَذَ مِنْهُمْ كَفِيلًا وَأَطْلَقَهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ فِي حَالِهِمْ، فَإِنْ ظَهَرَتْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ رَدَّهُ إلَى السِّجْنِ إذَا طَلَبَهُ الْخَصْمُ (وَلَوْ أَخْبَرَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ بِسَبَبِ حَبْسِهِمْ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ) بِوَاحِدٍ مِنْ (الرَّعَايَا وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ لَيْسَتْ حُجَّةً) مُوجِبَةً لِلْعَمَلِ (لَا سِيَّمَا) وَهِيَ (عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: يُقْبَلُ قولهُ بَعْدَ الْعَزْلِ كَمَا قَبْلَ الْعَزْلِ لِأَنَّهُ أَمِينُ الشَّرْعِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يُقْبَلُ قولهُ قَبْلَ الْعَزْلِ أَيْضًا إلَّا بِحُجَّةٍ (وَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ قول الْمَعْزُولِ عَلَيْهِ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ) بِمَا وَجَبَ حَبْسُهُ (لَا يُعَجِّلُ) بِإِطْلَاقِهِ (لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي ظَاهِرًا) مَا كَانَ إلَّا (بِحَقٍّ) فَيُحْتَاطُ لِخَصْمِهِ الْغَائِبُ فَيُنَادَى عَلَيْهِ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَأْمُرَ كُلَّ يَوْمٍ إذَا جَلَسَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي مَحَلَّتِهِ مَنْ كَانَ يَطْلُبُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْمَحْبُوسَ بِحَقٍّ فَلْيَأْتِ إلَى الْقَاضِي يَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامًا، فَإِذَا حَضَرَ وَادَّعَى وَهُوَ عَلَى جُحُودِهِ ابْتَدَأَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ إذْ لَعَلَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ لِغَائِبٍ، وَأَمَارَتُهُ أَنَّهُ فِي حَبْسِ قَاضٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِحَقٍّ، فَإِنْ قَالَ لَا كَفِيلَ لِي وَأَبَى أَنْ يُعْطِيَ كَفِيلًا وَجَبَ أَنْ يَحْتَاطَ نَوْعًا آخَرَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ فَيُنَادِيَ شَهْرًا فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ أَطْلَقَهُ.
وَقِيلَ أَخْذُ الْكَفِيلِ هُنَا قولهُمَا.
أَمَّا عَلَى قول أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا كَمَا قَالَ فِي أَصْحَابِ الْمِيرَاثِ إذَا اقْتَسَمُوا عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ أَخْذَ الْكَفِيلِ هُنَا اتِّفَاقٌ.
وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَالَ ظَاهِرًا حَقٌّ لِهَذَا الْوَارِثِ، وَفِي ثُبُوتِ وَارِثٍ آخَرَ شَكٌّ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ حَقِّهِ إلَى زَمَانِ حُصُولِ الْكَفِيلِ لِأَمْرٍ مَوْهُومٍ، وَهُنَا الظَّاهِرُ أَنَّ حَبْسَهُ بِحَقٍّ لِظُهُورِ أَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي بِحَقٍّ وَلَكِنَّهُ مَجْهُولٌ، فَلَيْسَ أَخْذُ الْكَفِيلِ لِمَوْهُومٍ، وَلَوْ قِيلَ فَبِالنَّظَرِ إلَى هَذَا الظَّاهِرِ يَجِبُ أَنْ لَا يُطْلِقَهُ بِقولهِ إنِّي مَظْلُومٌ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُطْلَقُ فِيهَا مُدَّعِي الْإِعْسَارِ كَانَ جَيِّدًا.

متن الهداية:
(وَيَنْظُرُ فِي الْوَدَائِعِ وَارْتِفَاعِ الْوُقُوفِ فَيَعْمَلُ فِيهِ عَلَى مَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ أَوْ يَعْتَرِفُ بِهِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَيَنْظُرُ فِي الْوَدَائِعِ وَارْتِفَاعِ الْأَوْقَافِ) الْكَائِنَةِ تَحْتَ أَيْدِي أُمَنَاءِ الْقَاضِي، وَاَلَّذِي فِي دِيَارِنَا مِنْ هَذَا أَنَّ أَمْوَالَ الْأَوْقَافِ تَحْتَ أَيْدِي جَمَاعَةٍ يُوَلِّيهِمْ الْقَاضِي النَّظَرَ أَوْ الْمُبَاشَرَةَ فِيهَا وَوَدَائِعَ الْيَتَامَى تَحْتَ يَدِ الَّذِي يُسَمَّى أَمِينُ الْحُكْمِ (فَيَعْمَلُ) فِيهَا (عَلَى) حَسَبِ (مَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ) أَنَّهُ لِفُلَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (أَوْ يَعْتَرِفُ) الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ.

متن الهداية:
(وَلَا يَقْبَلُ قول الْمَعْزُولِ) لِمَا بَيَّنَّا (إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ أَنَّ الْمَعْزُولَ سَلَّمَهَا إلَيْهِ فَيَقْبَلُ قولهُ فِيهَا) لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ أَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْقَاضِي فَيَصِحُّ إقْرَارُ الْقَاضِي كَأَنَّهُ فِي يَدِهِ فِي الْحَالِ، إلَّا إذَا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ لِغَيْرِهِ ثُمَّ أَقَرَّ بِتَسْلِيمِ الْقَاضِي فَيُسَلِّمُ مَا فِي يَدِهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ لِسَبْقِ حَقِّهِ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ الثَّانِي وَيُسَلَّمُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي.
الشَّرْحُ:
(وَلَا يُقْبَلُ قول الْمَعْزُولِ) عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ إذَا أَنْكَرَ وَقَالَ هِيَ لِي إلَّا بِبَيِّنَةٍ (لِمَا بَيَّنَّاهُ) أَنَّهُ الْتَحَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا، بِخِلَافِ الْقَاضِي لِأَنَّهُ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِأَنْ يَكْتَفِيَ بِقولهِ فِي الْإِلْزَامِ حَتَّى إنَّ الْخَلِيفَةَ الَّذِي قَلَّدَ الْقَاضِيَ لَوْ أَخْبَرَ الْقَاضِيَ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ بِكَذَا لَا يَقْضِي بِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ الْخَلِيفَةُ مَعَ آخَرَ، وَالْوَاحِدُ لَا يُقْبَلُ قولهُ (إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الَّذِي فِي يَدِهِ أَنَّ) الْقَاضِيَ (الْمَعْزُولَ) سَلَّمَهَا إلَيْهِ فَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَقول سَلِّمْهَا إلَيَّ وَلَا أَدْرِي لِمَنْ هِيَ، أَوْ يَقول سَلِّمْهَا إلَيَّ وَقَالَ هِيَ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَهُوَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: فَفِي هَذَيْنِ يُقْبَلُ قول الْمَعْزُولِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ مَنْ فِي يَدِهِ أَنَّ الْيَدَ فِيهَا كَانَتْ لِلْقَاضِي فَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْقَاضِي فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ حَالَ إقْرَارِهِ، أَوْ يَقول دَفَعَهُ إلَيَّ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ وَهُوَ لِفُلَانٍ، وَقَالَ الْمَعْزُولُ بَلْ لِفُلَانٍ رَجُلٍ آخَرَ فَالْقول مَا قَالَ الْمَعْزُولُ، وَيُدْفَعُ لِمَنْ أَقَرَّ بِهِ لَهُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْيَدِ لِلْقَاضِي فَصَارَ كَأَنَّ الْمَالَ فِي يَدِهِ فَأَقَرَّ بِهِ لِوَاحِدٍ وَأَقَرَّ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ لِآخَرَ وَفِيهِ يَكُونُ الْقول قول الْقَاضِي فَكَذَا هَذَا أَوْ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ لِفُلَانٍ فَقَالَ هُوَ لِفُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ ثُمَّ قَالَ دَفَعَهُ إلَيَّ الْقَاضِي فَفِي هَذَا يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ الْأَمِينُ، وَيَضْمَنُ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ قِيمَتَهُ لِلْمَعْزُولِ فَيَدْفَعُهُ الْمَعْزُولُ إلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ صَحَّ إقْرَارُهُ وَلَزِمَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا هُوَ فِي يَدِهِ، فَلَمَّا قَالَ دَفَعَهُ إلَيَّ الْقَاضِي فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْقَاضِي وَالْقَاضِي يُقِرُّ بِهِ لِغَيْرِ مَنْ أَقَرَّ هُوَ بِهِ لَهُ فَيَصِيرُ هُوَ مُتْلِفًا لِذَلِكَ عَلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ فَيَضْمَنُهُ.
هَذَا وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ سَمِعُوا الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ يَقول اسْتَوْدَعْت فُلَانًا مَالَ فُلَانٍ الْيَتِيمِ وَجَحَدَ مَنْ فِي يَدِهِ أَوْ شَهِدُوا عَلَى بَيْعِهِ مَالَ فُلَانٍ الْيَتِيمِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ وَيُؤْخَذُ الْمَالُ لِمَنْ ذَكَرَهُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ وَاسْتُقْضِيَ غَيْرُهُ فَشَهِدَ بِذَلِكَ.
فَرْعٌ يُنَاسِبُ هَذَا:
لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا أَوْ قَالَ الْقَاضِي لَمْ أَقْضِ بِشَيْءٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عِنْدَهُمَا.
وَيُعْتَبَرُ قول الْقَاضِي، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُقْبَلُ وَيَنْفُذُ ذَلِكَ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَيَجْلِسُ لِلْحُكْمِ جُلُوسًا ظَاهِرًا فِي الْمَسْجِدِ) كَيْ لَا يَشْتَبِهَ مَكَانُهُ عَلَى الْغُرَبَاءِ وَبَعْضِ الْمُقِيمِينَ، وَالْمَسْجِدُ الْجَامِعُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَشْهَرُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ لِأَنَّهُ يَحْضُرُهُ الْمُشْرِكُ وَهُوَ نَجَسٌ بِالنَّصِّ وَالْحَائِضُ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ دُخُولِهِ.
وَلَنَا قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحُكْمِ».
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْصِلُ الْخُصُومَةَ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ عِبَادَةٌ فَيَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي الْمَسْجِدِ كَالصَّلَاةِ.
وَنَجَاسَةُ الْمُشْرِكِ فِي اعْتِقَادِهِ لَا فِي ظَاهِرِهِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ، وَالْحَائِضُ تُخْبِرُ بِحَالِهَا فَيَخْرُجُ الْقَاضِي إلَيْهَا أَوْ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ يَبْعَثُ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَصْمِهَا كَمَا إذَا كَانَتْ الْخُصُومَةُ فِي الدَّابَّةِ.
وَلَوْ جَلَسَ فِي دَارِهِ لَا بَأْسَ بِهِ وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَيَجْلِسُ مَعَهُ مَنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي جُلُوسِهِ وَحْدَهُ تُهْمَةً.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَيَجْلِسُ لِلْحُكْمِ جُلُوسًا ظَاهِرًا كَيْ لَا يَشْتَبِهَ مَكَانُهُ عَلَى الْغُرَبَاءِ وَبَعْضِ الْمُقِيمِينَ) وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَلَا يُتْعِبُ نَفْسَهُ فِي طُولِ الْجُلُوسِ وَلَكِنْ يَجْلِسُ فِي طَرَفَيْ النَّهَارِ، وَكَذَا الْمُفْتِي وَالْفَقِيهُ (وَالْمَسْجِدُ الْجَامِعُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَشْهَرُ) ثُمَّ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَاتُ وَإِنْ لَمْ تُصَلَّ فِيهِ الْجُمُعَةُ.
قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: هَذَا إذَا كَانَ الْجَامِعُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي طَرَفٍ مِنْهَا فَلَا لِزِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ عَلَى أَهْلِ الشُّقَّةِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَخْتَارَ مَسْجِدًا فِي وَسَطِ الْبَلَدِ وَفِي السُّوقِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِي بَيْتِهِ وَحَيْثُ كَانَ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَا، وَبِقولنَا قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْقَضَاءُ (يَحْضُرُهُ الْمُشْرِكُ وَهُوَ نَجَسٌ بِالنَّصِّ) قَالَ تعالى: {إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ} (وَالْحَائِضُ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ دُخُولِهِ) وَلِأَنَّ الْمَسَاجِدَ بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَالْخُصُومَاتُ تَقْتَرِنُ بِالْمَعَاصِي كَثِيرًا مِنْ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَالْكَذِبِ فِي الدَّعَاوَى (وَلَنَا) مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ اللِّعَانِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَفِيه: «فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ» وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ أَحَدِهِمَا كَاذِبًا حَانِثًا فِي يَمِينٍ غَمُوسٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سُجُفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى: يَا كَعْبُ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِك، قَالَ كَعْبُ: قَدْ فَعَلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ» وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مُسْنِدًا إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذْ أَتَى رَجُلٌ فَتَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى قَرُبَ إلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ عَلَيَّ الْحَدَّ، فَقَالَ: اجْلِسْ فَجَلَسَ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ عَلَيَّ الْحَدَّ، فَقَالَ اجْلِسْ فَجَلَسَ ثُمَّ قَامَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ عَلَيَّ الْحَدَّ، قَالَ وَمَا حَدُّك؟ قَالَ: أَتَيْت امْرَأَةً حَرَامًا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ انْطَلِقُوا بِهِ فَاجْلِدُوهُ وَلَمْ يَكُنْ تَزَوَّجَ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَجْلِدُ الَّتِي خَبُثَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَاحِبَتُك؟ قَالَ: فُلَانَةُ فَدَعَاهَا ثُمَّ سَأَلَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَبَ عَلَيَّ وَاَللَّهِ إنِّي لَا أَعْرِفُهُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ شَاهِدُك؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي شَاهِدٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً» وَأَمَّا إنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ فَنُقِلَ بِالْمَعْنَى: يَعْنِي وَقَعَ مِنْهُمْ هَذَا، وَلَا يَكَادُ يَشُكُّ فِي أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَعَ لَهُمَا ذَلِكَ.
وَمَنْ تَتَبَّعَ السِّيَرَ رَأَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا.
فَفِي الْبُخَارِيِّ: «لَاعَنَ عُمَرُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.».
وَأَسْنَدَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ إلَى الْحَسَنِ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ قَضَى فِي الْمَسْجِدِ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي ذَلِكَ، فَمَا قِيلَ إنَّهُ غَرِيبٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد رِوَايَةُ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَفِي الطَّبَقَاتِ لِابْنِ سَعْدٍ بِسَنَدِهِ إلَى رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ رَأَى أَبَا بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ يَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْقَبْرِ. وَكَانَ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْمَدِينَةِ فِي وِلَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَسْنَدَ إلَى سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ.
قَالَ: رَأَيْت سَعْدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ يَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ قَدْ وُلِّيَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ.
وَإِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا وَلَّى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إمْرَةَ الْمَدِينَةِ لَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَّى أَبَا طُوَالَةَ الْقَضَاءَ بِهَا فَكَانَ يَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: أَبُو طُوَالَةَ ثِقَةٌ يَرْوِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
وَإِلَى إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: رَأَيْت شُرَيْحًا يَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ، وَإِلَى الْأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ: رَأَيْت الشَّعْبِيَّ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَاضِي الْكُوفَةِ يَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ، وَكُلُّ قَضَاءٍ صَدَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ كَانَ بَيْنَ السَّلَفِ مَشْهُورًا وَفِيهِمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَلَمْ يُرْوَ إنْكَارُهُ عَنْ أَحَدٍ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ «إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالْحُكْمِ» فَلَمْ يُعْرَفْ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي قَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْ مَهْ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزْرِمُوهُ دَعُوهُ» فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَالْقَذَرِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ»، قَالَ: وَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَدَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا نَجَاسَةُ الْمُشْرِكِ فَفِي الِاعْتِقَادِ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ (وَالْحَائِضُ تُخْبِرُ بِحَالِهَا لِيَخْرُجَ إلَيْهَا الْقَاضِي) أَوْ يُرْسِلَ نَائِبَهُ (كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَابَّةٍ، وَلَوْ جَلَسَ فِي دَارِهِ فَحَسَنٌ بِـ) شَرْطِ (أَنْ يَأْذَنَ لِلنَّاسِ) عَلَى الْعُمُومِ وَلَا يَمْنَعُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ لِأَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ حَقًّا فِي مَجْلِسِهِ، وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْجِدِ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: وَلَا يَقْضِي وَهُوَ يَمْشِي أَوْ يَسِيرُ عَلَى دَابَّتِهِ لِأَنَّهُ إذْ ذَاكَ غَيْرُ مُعْتَدِلِ الْحَالِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالْقَضَاءِ، وَلِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِمَا هُوَ فِيهِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَّكِئَ لِأَنَّهُ نَوْعُ جِلْسَةٍ كَالتَّرَبُّعِ وَغَيْرِهِ، وَطِبَاعُ النَّاسِ فِي الْجُلُوسِ مُخْتَلِفَةٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْضِيَ وَهُوَ غَضْبَانُ أَوْ فَرْحَانُ أَوْ جَائِعٌ أَوْ عَطْشَانُ أَوْ مَهْمُومٌ أَوْ نَاعِسٌ أَوْ فِي حَالِ بَرْدٍ شَدِيدٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ بِهِ حَاجَةٌ إلَى الْجِمَاعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي حَالَ شَغْلِ قَلْبِهِ، وَأَصْلُهُ حَدِيثُ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» مَعْلُولٌ بِهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُرِيدُ الْجُلُوسَ وَلَا يَسْمَعُ مِنْ رَجُلٍ حُجَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَلِيلًا، وَلَا يُقَدِّمُ رَجُلًا جَاءَ الْآخَرُ قَبْلَهُ، وَلَا يَضْرِبُ فِي الْمَسْجِدِ حَدًّا وَلَا تَعْزِيرًا (وَ) يَنْبَغِي أَنْ (يَجْلِسَ مَعَهُ مَنْ كَانَ يُجَالِسُهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي جُلُوسِهِ وَحْدَهُ تُهْمَةً) الرِّشْوَةَ أَوْ الظُّلْمَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا كَانَ يَحْكُمُ حَتَّى يَحْضُرَ أَرْبَعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَيُشَاوِرَهُمْ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُحْضِرُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ: يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ وَيُشَاوِرُهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: فَإِنْ دَخَلَهُ حَصْرٌ فِي قُعُودِهِمْ عِنْدَهُ أَوْ شُغْلِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ جَلَسَ وَحْدَهُ، فَإِنَّ طِبَاعَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ حِشْمَةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ فَصْلِ الْقَضَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْدَادُ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ مِمَّنْ يَدْخُلُهُ حَصْرٌ جَلَسَ وَحْدَهُ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَذِرَ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَيُبَيِّنَ لَهُ وَجْهَ قَضَائِهِ وَيُبَيِّنَ لَهُ أَنَّهُ فَهِمَ حُجَّتَهُ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّرْعِ كَذَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْفَعَ لِشِكَايَتِهِ لِلنَّاسِ، وَنِسْبَتِهِ إلَى أَنَّهُ جَارٍ عَلَيْهِ.
وَمَنْ يَسْمَعْ يُخَلِّ، فَرُبَّمَا تُفْسِدُ الْعَامَّةُ غَرَضَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ، وَإِذَا أَمْكَنَ إقَامَةُ الْحَقِّ مَعَ عَدَمِ إيغَارِ الصُّدُورِ كَانَ أَوْلَى.

متن الهداية:
قَالَ: (وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِمُهَادَاتِهِ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ صِلَةُ الرَّحِمِ وَالثَّانِيَ لَيْسَ لِلْقَضَاءِ بَلْ جَرَى عَلَى الْعَادَةِ، وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَصِيرُ آكِلًا بِقَضَائِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ لِلْقَرِيبِ خُصُومَةٌ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ، وَكَذَا إذَا زَادَ الْمُهْدِي عَلَى الْمُعْتَادِ أَوْ كَانَتْ لَهُ خُصُومَةٌ لِأَنَّهُ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ فَيَتَحَامَاهُ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ) الْحَاصِلُ أَنَّ الْمُهْدِيَ إمَّا لَهُ خُصُومَةٌ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَتْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ بِمُهَادَاتِهِ أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خُصُومَةٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِسَبَبِ قَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمُعْتَادِ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنْ زَادَ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ.
وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُ الْمُهْدِي قَدْ زَادَ فَبِقَدْرِ مَا زَادَ مَالُهُ إذَا زَادَ فِي الْهَدِيَّةِ لَا بَأْسَ بِقَبُولِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ الْقَرِيبِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ عَادَةٌ بِالْمُهَادَاةِ كَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَرِيبِ قَبْلَ الْقَضَاءِ عَادَةً فَأَهْدَى بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يَقْبَلُ.
وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ مَعَ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ مِمَّنْ لَهُ عَادَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ تُفِيدُ قَبُولَهَا مِنْ الْقَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَادَةٌ بِالْمُهَادَاةِ قَبْلُ إذَا لَمْ تَكُنْ خُصُومَةٌ.
وَالْوَجْهُ هُوَ ظَاهِرُ النِّهَايَةِ.
ثُمَّ صَرَّحَ فِي مَسْأَلَةِ الدَّعْوَى عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ فِي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ عَادَةٌ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْقَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَادَةٌ بِمُهَادَاةٍ قَبْلَ الْقَضَاءِ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِفَقْرٍ ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ وِلَايَةِ قَرِيبِهِ فَصَارَ يُهْدَى إلَيْهِ جَازَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَانِعَ مَا كَانَ إلَّا الْفَقْرَ، وَهَذَا عَلَى شِبْهِ قول فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي الزِّيَادَةِ: إذَا كَثُرَ مَالُهُ.
ثُمَّ إذَا أَخَذَ الْهَدِيَّةَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُبَاحُ أَخْذُهَا قِيلَ يَضَعُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهَا بِسَبَبِ عَمَلِهِ لَهُمْ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَى أَرْبَابِهَا إنْ عَرَفَهُمْ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ أَوْ كَانُوا بَعِيدًا حَتَّى تَعَذَّرَ الرَّدُّ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ اللُّقَطَةِ، فَإِنْ جَاءَ الْمَالِكُ يَوْمًا يُعْطَاهَا، وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَمَلًا حُكْمُهُ فِي الْهَدِيَّةِ حُكْمُ الْقَاضِي.
وَفِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الرِّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ أَنَّ الرِّشْوَةَ يُعْطِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يُعِينَهُ، وَالْهَدِيَّةُ لَا شَرْطَ مَعَهَا انْتَهَى.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَال: «اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا» قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانَتْ الْهَدِيَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدِمَ بِمَالٍ فَقَالَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا؟ قَالَ: تَلَاحَقَتْ الْهَدَايَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ هَلَّا قَعَدْت فِي بَيْتِك فَتَنْظُرَ أَيُهْدَى لَك أَمْ لَا، فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَتَعْلِيلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْوِلَايَةُ، وَلِهَذَا لَوْ زَادَ الْمُهْدِي عَلَى الْمُعْتَادِ أَوْ كَانَتْ لَهُ خُصُومَةٌ كُرِهَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ مُحَرَّمٌ كَالرِّشْوَةِ.
هَذَا وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَدِيَّةُ الْمُسْتَقْرِضِ لِلْمُقْرِضِ كَالْهَدِيَّةِ لِلْقَاضِي إنْ كَانَ الْمُسْتَقْرِضُ لَهُ عَادَةٌ قَبْلَ اسْتِقْرَاضِهِ فَأَهْدَى إلَى الْمُقْرِضِ فَلِلْمُقْرِضِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ قَدْرَ مَا كَانَ يُهْدِيهِ بِلَا زِيَادَةٍ.

متن الهداية:
وَلَا يَحْضُرُ دَعْوَةً إلَّا أَنْ تَكُونَ عَامَّةً لِأَنَّ الْخَاصَّةَ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ فَيُتَّهَمُ بِالْإِجَابَةِ، بِخِلَافِ الْعَامَّةِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْجَوَابِ قَرِيبُهُ وَهُوَ قولهُمَا.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُجِيبُهُ وَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةً كَالْهَدِيَّةِ، وَالْخَاصَّةُ مَا لَوْ عَلِمَ الْمُضِيفُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا لَا يَتَّخِذُهَا.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلَا يَحْضُرُ دَعْوَةً إلَّا إذَا كَانَتْ عَامَّةً) يَعْنِي وَلَا خُصُومَةَ لِصَاحِبِ الْوَلِيمَةِ الْعَامَّةِ (وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْجَوَابِ قَرِيبُهُ) فَلَا يُجِيبُ دَعْوَتَهُ إلَّا إذَا كَانَتْ عَامَّةً وَلَا خُصُومَةَ لَهُ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُجِيبُ قَرِيبُهُ وَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةً) هَكَذَا حَكَى الْخِلَافَ الطَّحَاوِيُّ.
وَقَالَ الْخَصَّافُ: يُجِيبُ الْخَاصَّةَ لِقَرِيبِهِ بِلَا خِلَافٍ لِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْخِلَافِ طُولِبَ بِالْفَرْقِ فِي الْقَرِيبِ بَيْنَ الْهَدِيَّةِ، قَالَ: يُقْبَلُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ جَرْي الْعَادَةِ وَغَيْرِهِ، وَفِي الدَّعْوَى فَصَلَ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمَتْنِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: قَالُوا مَا ذُكِرَ فِي الضِّيَافَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُحَرَّمُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا الدَّعْوَةُ وَالْمُهَادَاةُ وَصِلَةُ الْقَرَابَةُ وَأَحْدَثَ بَعْدَ الْقَضَاءِ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَتْ الْحَالَةُ هَذِهِ فَهُوَ وَالْأَجْنَبِيُّ سَوَاءٌ.
وَمَا فِي الْهَدِيَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَرَى بَيْنَهُمَا الْمُهَادَاةُ وَصِلَةُ الْقَرَابَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فَإِذَا أَهْدَى بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا بَأْسَ بِقَبُولِهِ انْتَهَى.
فَقَدْ آلَ الْحَالُ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْغَرِيبِ فِي الْهَدِيَّةِ وَالضِّيَافَةِ سِوَى ذَلِكَ لِإِمْكَانِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فَقِيلَ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ خَاصَّةٌ وَالْعَشَرَةُ وَمَا فَوْقَهَا عَامَّةٌ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ (الْخَاصَّةُ) هِيَ (الَّتِي لَوْ عَلِمَ الْمُضِيفُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا لَا يَتَّخِذُهَا) وَالْعَامَّةُ هِيَ الَّتِي يَتَّخِذُهَا حَضَرَهَا الْقَاضِي أَوْ لَا.
وَعِنْدِي أَنَّ مَا حُكِيَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ وَهُوَ أَنَّ الْعَامَّةَ دَعْوَةُ الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ وَمَا سِوَاهُمَا خَاصَّةٌ حَسَنٌ فَإِنَّ الْغَالِبَ هُوَ كَوْنُ الدَّعْوَةِ الْعَامَّةِ هَاتَيْنِ، وَرُبَّمَا مَضَى عُمَرُ وَلَمْ يَعْرِفْ مَنْ اصْطَنَعَ طَعَامًا عَامًا ابْتِدَاءً لِعَامَّةِ النَّاسِ بَلْ لَيْسَ إلَّا لِهَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ أَوْ لِمَخْصُوصٍ مِنْ النَّاسِ وَلِأَنَّهُ أَضْبَطُ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْقَاضِي لَمْ يَصْنَعْ أَوْ يَصْنَعُ غَيْرَ مُحَقَّقٍ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُبْطَنٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ لَوَائِحُ لَيْسَ كَضَبْطِ هَذَا، وَيَكْفِي عَادَةُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَعَادَةُ النَّاسِ هِيَ مَا ذَكَرَ النَّسَفِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: يَحْضُرُ الْوَلَائِمَ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْضُرُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقْضِي.
قُلْنَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْلُومَ الْعِصْمَةِ عِنْدَ الْكُلِّ لَا يَضُرُّهُ حُضُورٌ وَلَا قَبُولُ هَدِيَّةٍ فَلَقَدْ أُبْعِدَتْ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتَّةُ حُقُوقٍ» وَعَدَّ مِنْهَا هَذَيْنِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ) الْمُرَادُ مَرِيضٌ لَا خُصُومَةَ لَهُ وَإِلَّا لَا يَعُودُهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ ذَلِكَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْ لَهُ» فَهَذِهِ هِيَ السَّادِسَةُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ فِيهِ:«وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ يُشَمِّتُهُ».
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُفْرَدِ فِي الْأَدَبِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ الْإِفْرِيقِيِّ قَالَ: كُنَّا غُزَاةً فِي الْبَحْرِ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، فَانْضَمَّ مَرْكَبُنَا إلَى مَرْكَبِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا حَضَرَ غَدَاؤُنَا أَرْسَلْنَا إلَيْهِ فَأَتَانَا وَقَالَ: دَعَوْتُمُونِي وَأَنَا صَائِمٌ فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدٌّ مِنْ أَنْ أُجِيبَكُمْ لِأَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقول: «إنَّ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ سِتَّ خِصَالٍ وَاجِبَةٍ، إنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا فَقَدْ تَرَكَ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ لِأَخِيهِ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ، وَيُجِيبُهُ إذَا دَعَاهُ، وَيُشَمِّتُهُ إذَا عَطَسَ، وَيَعُودُهُ إذَا مَرِضَ، وَيَحْضُرُهُ إذَا مَاتَ، وَيَنْصَحُهُ إذَا اسْتَنْصَحَهُ» وَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْوُجُوبِ فِيهِ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ الْوُجُوبِ فِي اصْطِلَاحِ الْفِقْهِ الْحَادِثِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ وُجُوبُ الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ، وَكَوْنُ الْوُجُوبِ وُجُوبَ عَيْنٍ فِي الْجِنَازَةِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَمْرٌ ثَابِتٌ عَلَيْهِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا بِالِاصْطِلَاحِ.

متن الهداية:
(وَلَا يُضَيِّفُ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ خَصْمِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةً.
قَالَ: (وَإِذَا حَضَرَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْجُلُوسِ وَالْإِقْبَالِ) لِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «إذَا اُبْتُلِيَ أَحَدُكُمْ بِالْقَضَاءِ فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي الْمَجْلِسِ وَالْإِشَارَةِ وَالنَّظَرِ» (وَلَا يُسَارُّ أَحَدَهُمَا وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّةً) لِلتُّهْمَةِ وَلِأَنَّ فِيهِ مَكْسَرَةً لِقَلْبِ الْآخَرِ فَيَتْرُكُ حَقَّهُ (وَلَا يَضْحَكُ فِي وَجْهِ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّهُ يَجْتَرِئُ عَلَى خَصْمِهِ (وَلَا يُمَازِحُهُمْ وَلَا وَاحِدًا مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ يُذْهِبُ بِمَهَابَةِ الْقَضَاءِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلَا يُضَيِّفُ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ خَصْمِهِ) الْآخَرِ، لِمَا رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ الْحَسَنِ قَال: «جَاءَ رَجُلٌ فَنَزَلَ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَضَافَهُ، فَلَمَّا قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُخَاصِمَ، قَالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَحَوَّلْ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نُضَيِّفَ الْخَصْمَ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ».
وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثُمَّ الدَّارَقُطْنِيُّ.
(وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةَ) الْمَيْلِ.
قولهُ: (وَإِذَا حَضَرَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْجُلُوسِ وَالْإِقْبَالِ) لِمَا رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي الْمَجْلِسِ وَالْإِشَارَةِ وَالنَّظَرِ، وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ» وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَحْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ» وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنْ: آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِك وَعَدْلِك وَمَجْلِسِك حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِك وَلَا يَيْأَسُ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِك.
(وَلَا يَسَّارِ أَحَدَهُمَا وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ لِلتُّهْمَةِ وَلِأَنَّ فِيهِ مَكْسَرَةً لِقَلْبِ الْآخَرِ فَيَتْرُكُ حَقَّهُ وَلَا يَضْحَكُ فِي وَجْهِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ يَجْتَرِئُ بِذَلِكَ عَلَى خَصْمِهِ، وَلَا يُمَازِحُهُمْ وَلَا وَاحِدًا مِنْهُمْ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِمَهَابَةِ الْقَضَاءِ) وَالْمُسْتَحَبُّ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُجْلِسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا يُجْلِسُ وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ لِأَنَّ لِلْيَمِينِ فَضْلًا، وَلِذَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخُصُّ بِهِ أَبَا بَكْرٍ دُونَ عُمَرَ.
وَفِي أَبِي دَاوُد «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ خَاصَمَهُ عَمْرُو بْنُ الزُّبَيْرِ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ عَلَى السَّرِيرِ قَدْ أَجْلَسَ عَمْرَو بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى السَّرِيرِ، فَلَمَّا جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَّعَ لَهُ سَعِيدٌ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ فَقَالَ هُنَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: الْأَرْضَ الْأَرْضَ قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي».
وَفِي النَّوَازِلِ وَالْفَتَاوَى الْكُبْرَى: خَاصَمَ السُّلْطَانُ مَعَ رَجُلٍ فَجَلَسَ السُّلْطَانُ مَعَ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِهِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ وَيَجْلِسَ خَصْمُ السُّلْطَانِ فِيهِ وَيَقْعُدَ هُوَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَقْضِي بَيْنَهُمَا.
وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَظْهَرُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَصْلُحُ قَاضِيًا عَلَى السُّلْطَانِ الَّذِي وَلَّاهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِصَّةُ شُرَيْحٍ مَعَ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ قَامَ فَأَجْلَسَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَجْلِسَهُ، وَيَنْبَغِي لِلْخَصْمَيْنِ أَنْ يَجْثُوَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يَتَرَبَّعَانِ وَلَا يَقْعَيَانِ، وَلَوْ فَعَلَا ذَلِكَ مَنَعَهُمَا الْقَاضِي تَعْظِيمًا لِلْحُكْمِ كَمَا يَجْلِسُ الْمُتَعَلِّمُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُعَلِّمِ تَعْظِيمًا لَهُ فَيَكُونُ بُعْدُهُمَا عَنْهُ قَدْرَ ذِرَاعَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَا أَصْوَاتَهُمَا، وَيُسْنِدُ الْقَاضِي ظَهْرَهُ إلَى الْمِحْرَابِ، وَهَذَا رَسْمُ زَمَانِنَا.
قَالُوا: وَهُوَ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا فِي زَمَنِ الْخَصَّافِ وَغَيْرِهِ فَكَانَ الْقَاضِي يَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ وَيَقِفُ أَعْوَانُ الْقَاضِي بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَكُونَ أَهَيْبَ.
وَإِذَا حَضَرَا فَالْقَاضِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ابْتَدَأَ فَقَالَ مَا لَكُمَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا حَتَّى يَبْتَدِئَاهُمَا بِالنُّطْقِ، وَبَعْضُ الْقُضَاةِ يَخْتَارُ السُّكُوتَ وَلَا يُكَلِّمُهُمَا بِشَيْءٍ غَيْرِ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِذَا تَكَلَّمَ الْمُدَّعِي أَسْكَتَ الْآخَرَ حَتَّى يَفْهَمَ حُجَّتَهُ لِأَنَّ فِي تَكَلُّمِهِمَا مَعًا شَغَبًا وَقِلَّةَ حِشْمَةٍ لِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ يَسْتَنْطِقُ الْآخَرَ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ الْمُدَّعِي ذَلِكَ.
وَقِيلَ لَا إلَّا بَعْدَ سُؤَالِ الْمُدَّعِي بِأَنْ يَقول اسْأَلْهُ لِكَيْ يَتَفَكَّرَ فِي الدَّعْوَى لِتَظْهَرَ لَهُ صِحَّتُهَا، وَإِلَّا قَالَ قُمْ فَصَحِّحْ دَعْوَاك، وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى يَقول فَمَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَصْنَعَ، فَإِنْ قَالَ أُرِيدُ جَوَابَهُ سَأَلَهُ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَسْتَنْطِقُهُ ابْتِدَاءً لِلْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ، وَإِذَا كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِهِنَّ مَعَهُمْ، وَاخْتَارَ مُحَمَّدٌ أَنْ يُقَدِّمَ الدَّعْوَى الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَيَضَعَ عَلَى ذَلِكَ أَمِينًا لَا يَرْتَشِي يَعْرِفُهُ السَّابِقُ، وَلْيُبَكِّرْ عَلَى بَابِ الْقَاضِي وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ طَمَعٌ، وَلَوْ أَشْكَلَ السَّابِقُ يَقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَلَا يَسْتَعْجِلُ عَلَى الْخُصُومِ بَلْ يَتَمَهَّلُ مَعَهُمْ فَإِنَّ بِالْعُجَالَةِ تَنْقَطِعُ الْحُجَّةُ وَيُذْهَلُ عَنْهَا، وَلِهَذَا لَا يُخَوِّفُهُمْ فَيَكُونُ مَهِيبًا لَا تَخَافُهُ النَّاسُ.
وَأَنْكَرَ الْأَئِمَّةُ مَا رَأَوْا مِنْ أَخْذِ بَوَّابِ الْقَاضِي شَيْئًا لِيُمَكِّنَّهُ مِنْ الدُّخُولِ وَهُوَ يَعْلَمُ.
قَالُوا: هَذَا فَسَادٌ عَظِيمٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ التَّقَدُّمِ إلَى بَابِ الْقَاضِي فِي حَاجَةٍ، وَالْمَأْخُوذُ عَلَى ذَلِكَ رِشْوَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَعَلَى هَذَا يُقَاسُ حَالُ الَّذِي يُسَمَّى فِي زَمَانِنَا نَقِيبَ الْقَاضِي.
قِيلَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ بَيْنَ يَدَيْهِ إذَا جَلَسَ لِلْحُكْمِ رَجُلٌ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ مَعَهُ سَوْطٌ يُقَالُ لَهُ الْجِلْوَازُ، وَصَاحِبُ الْمَجْلِسِ يُقِيمُ الْخُصُومَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الْبُعْدِ وَالشُّهُودُ بِقُرْبٍ مِنْ الْقَاضِي، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِيَامَ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي لِلْخُصُومَةِ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، بَلْ أَنْ يُجْلِسَهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ الْمُحْدَثَاتِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ إذَا سَافَرَ اسْتَصْحَبَ رَجُلًا سَيِّئَ الْأَدَبِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ يُدْفَعُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُو الْأَحْوَالِ وَالْأَدَبِ.
وَقَدْ حَدَثَ فِي هَذَا الزَّمَانِ أُمُورٌ وَسُفَهَاءُ فَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَى الْحَالِ مُرَادًا بِهِ الْخَيْرَ لَا حِشْمَةَ النَّفْسِ الْمُؤَدِّي إلَى الْإِعْجَابِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عِبْسَةٌ بِلَا غَضَبٍ، وَأَنْ يَلْزَمَ التَّوَاضُعَ مِنْ غَيْرِ وَهْنٍ وَلَا ضَعْفٍ، وَلَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْ الْحَقِّ، وَيَتَّخِذُ كَاتِبًا أَمِينًا صَالِحًا يَكْتُبُ الْمَحَاضِرَ وَالسِّجِلَّاتِ عَارِفًا بِهَا كَيْ لَا يَقَعَ السِّجِلُّ فَاسِدًا بِالْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ السِّجِلَّاتِ وَالْمَحَاضِرَ، وَيُقْعِدُهُ حَيْثُ يَرَى مَا يَكْتُبُ وَيَكْتُبُ خُصُومَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَشَهَادَةَ شُهُودِهِمَا فِي صَحِيفَةٍ وَهِيَ الْمَحْضَرُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ، بِخِلَافِ عُرْفِ الْعَادَةِ الْيَوْمَ بِمِصْرَ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ تَلْقِينُ الشَّاهِدِ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقول لَهُ أَتَشْهَدُ بِكَذَا وَكَذَا، وَهَذَا لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فَيُكْرَهُ كَتَلْقِينِ الْخَصْمِ.
وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَحْصُرُ لِمَهَابَةِ الْمَجْلِسِ فَكَانَ تَلْقِينُهُ إحْيَاءً لِلْحَقِّ بِمَنْزِلَةِ الْإِشْخَاصِ وَالتَّكْفِيلِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَيُكْرَهُ تَلْقِينُ الشَّاهِدِ) وَهُوَ أَنْ يَقول لَهُ الْقَاضِي كَلَامًا يَسْتَفِيدُ بِهِ الشَّاهِدُ عِلْمًا وَعَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ اسْتَوْلَتْهُ الْحِيرَةُ أَوْ الْهَيْبَةُ فَتَرَكَ شَيْئًا مِنْ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ فَيُعِينُهُ بِقولهِ أَتَشْهَدُ بِكَذَا وَكَذَا بِشَرْطِ كَوْنِهِ (فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ) أَمَّا فِيهَا بِأَنْ ادَّعَى الْمُدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ الْخَمْسَمِائَةِ وَشَهِدَ الشَّاهِدُ بِأَلْفٍ فَيَقول الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ وَاسْتَفَادَ الشَّاهِدُ بِذَلِكَ عِلْمًا فَوُفِّقَ بِهِ فِي شَهَادَتِهِ كَمَا وُفِّقَ الْقَاضِي فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي تَلْقِينِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: مَا قَالَاهُ عَزِيمَةٌ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَنْهِيٌّ عَنْ اكْتِسَابِ مَا يَجُرُّ إلَيْهِ تُهْمَةَ الْمَيْلِ وَتَلْقِينُ الشَّاهِدِ لَا يَخْلُو مِنْهُ.
وَقول أَبِي يُوسُفَ رُخْصَةٌ، فَإِنَّهُ لَمَّا اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ شَاهِدُ الْحَصْرِ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ مُهَابٌ فَيَضِيعُ الْحَقُّ إذَا لَمْ يُعِنْهُ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَيَحْصَرُ مُضَارِعُ حَصِرَ مِنْ بَابِ عَلِمَ إذَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ وَضَاقَ صَدْرُهُ بِهِ، وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَأَيْضًا أَمْرًا بِإِكْرَامِ الشُّهُودِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي بِهِمْ الْحُقُوقَ، وَهَذَا التَّلْقِينُ إعَانَةٌ وَإِكْرَامٌ حَيْثُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ الْقُصُورُ.
وَقولهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَشْخَاصِ هُوَ إرْسَالُ شَخْصٍ لِيَأْتِيَ بِخَصْمِهِ، يُقَالُ شَخَصَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ إذَا ذَهَبَ مِنْ حَدٍّ مَنَعَ.
قِيلَ وَتَأْخِيرُ قول أَبِي يُوسُفَ وَتَسْمِيَتُهُ بِالِاسْتِحْسَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ قولهُ اسْتَحْسَنَهُ مَعْنَاهُ لَهُ دَلِيلُ الِاسْتِحْسَانِ الِاصْطِلَاحِيِّ، وَقَدْ لَا يَلْزَمُ وَيَكْفِي كَوْنُهُ آخِرُ دَلِيلٍ فِي ذَلِكَ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانٍ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِنَفْسِهِ بَلْ يُفَوِّضُ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ، وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ يَتَّخِذُ وَكِيلًا لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُ الْقَاضِي تَحَرُّزًا عَنْ الْمُحَابَاةِ، وَشَرَطَ شُرَيْحٌ عَلَى عُمَرَ حِينَ وَلَّاهُ أَنْ لَا أَبِيعَ وَلَا أَشْتَرِيَ وَلَا أَرْتَشِيَ، وَقَالَ بَعْضُ أَشْيَاخِ الْمَالِكِيَّةِ، يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَرْتَفِعَ عَنْ طَلَبِ الْعَوَارِيّ مِنْ الْمَاعُونِ وَالدَّابَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَيَنْبَغِي لِلْخُصُومِ إذَا وَصَلَّوْا أَنْ لَا يُسَلِّمُوا عَلَى الْقَاضِي، فَإِذَا سَلَّمُوا لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي رَدُّ سَلَامِهِمْ، فَإِنْ رَدَّ يَقْتَصِرُ عَلَى قولهِ وَعَلَيْكُمْ وَيَخْرُجُ فِي أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.